RSS

Category Archives: علماء دمشق

الشيخ محمد سعيد الحمزاوي رحمه الله


هو الشريف الشيخ محمد سعيد بن درويش الحمزاوي الحسين نقيب السادة الأشراف. ولد بدمشق سنة 1313 هـ = 1895 وتلقى علومه الشرعية فيها، تولى نقابة الاشراف سنة 1361هـ = 1942 وظل يشغلها حتى وفاته. توفي بدمشق سنة 1398 هـ = 1978 ودفن بمقبرة الدحداح.

Advertisements
 

الشيخ علي الدقر رحمه الله


بقلم الأستاذ الأديب : عبد الله الطنطاوي

تمهيد:

(من المؤمنين رجالٌ صدقوا ما عاهدوا الله عليه) منهم، فيما أحسب، ولا أزكي على الله أحداً، العالم الرباني، والشيخ التقيّ النقي الداعي إلى الله على بصيرة، بالحكمة والموعظة الحسنة، علامة الشام وواعظها وباعث نهضتها العلمية في النصف الأول من القرن الماضي، الشيخ علي الدقر، والد الشيخين العالمين الجليلين:

أحمد وعبد الغني الدقر، رحمهم الله جميعاً رحمة واسعة.

نشأته:

ولد الشيخ علي في دمشق عام 1294هـ – 1877م لأب تاجر صالح محسن، ومن أسرة دمشقية عريقة، ولأمّ صالحة محسنة، تنفق من مالها، كما ينفق زوجها التاجر الثري عبد الغني الدقر من ماله الكثير.

وقد ورث الشيخ علي من أبيه خصلتي الصلاح والكرم، فقد كان الولد سرّ أبيه في هاتين الخصلتين اللتين سارت الأحاديث بهما فملأت ديار الشام؛ فقد كانت له مزرعتان في المزّة وداريّا، يؤمّهما الفقراء والمحتاجون، ليأخذ كل واحد منهم ما يحتاجه منهما، من دون استئذان، فقد أذن الشيخ مسبقاً لمن يريد، أن يأخذ منهما ما يريد، كما كانوا وطلبة العلم الفقراء يزورونه في بيته، وكانوا عندما يخرجون، يأخذون حاجتهم من أكياس الحنطة، والدقيق، والسكر، والزبيب، والعدس، والأرز، والشاي، ومن السمن، والزيت.. وعندما يمد الموائد، يفرح بازدحام المساكين عليها.

وكان لا يدخل إلى جيبه شيئاً من المعاش الذي يأتيه من الأوقاف، ولا يخلطه بماله، بل كان ينفقه على طلابه الفقراء بأريحية تذكّرنا بأجواد العرب في بوادي العرب، وكانت أيام الحرب الكونية الأولى وما تلاها من سنين عجاف، أشبه ما تكون بتلك البوادي القاحلة، وكان فيها الجواد.

صفته:

وصفه الشيخ علي الطنطاوي الذي رآه وتتلمذ عليه، وأعجب به، بقوله:

“وكان الشيخ علي الدقر- كالشيخ بدر الدين الحسني- جميل الصورة، ناصع البياض، أزرق العينين، حلو التقاسيم، له لحية بيضاء كبيرة تزيده جمالاً، وكان كلاهما يتخذ العمامة التجارية من القماش الهندي المطرّز، لا العمامة البيضاء، عمامة العلماء«. وهذه العمامة يسمّونها في الشام: (لفَّة لام- ألف) وهي التي كان يتخذها ولداه من بعده: أحمد وعبد الغني، مع أنها عمامة التجار، وليست عمامة العلماء البيضاء التي يُلَفُّ شاشها الأبيض، على طربوش أحمر.

تعليمه:

كدأب الناس في زمانه (القرن الرابع عشر الهجري) تعلّم في ( الكتّاب) القراءة والكتابة وشيئاً يسيراً من القرآن الكريم، ثم انتقل إلى مدرسة الشيخ عيد السفرجلاني، وأمضى فيها بضع سنين، أفاد منها شيئاً من علوم اللغة العربية، وعلوم الدين، ثم لازم الشيخ محمد القاسمي، وقرأ عليه من علوم العربية والدين ما أهّله لتدريس شيء من علم النحو ومن الفقه الشافعي، وشيخه سعيد بما يراه من نجابته وعلمه وورعه.

وصحب المحدّثَ الأكبر الشيخ بدر الدين الحسني، وكان من أحبّ تلاميذه إليه، وأقربهم منه، وقرأ عليه الكتب الخمسة، كما قرأ على غيره من علماء الشام كالشيخ أمين سويد، ما جعله عالماً فقيهاً يشار إليه بالبنان.

وعظه:

وقد جمع الشيخ بين العلم والعمل، فكان نشاطه الدعوي مشهوداً حيثما حلّ وارتحل، في مساجد دمشق وغيرها من المدن والقرى السورية، وكان له تأثير كبير فيمن يلقاه من الناس، فازدحم على دروسه العلمية والوعظية كبار تجار دمشق وصالحوها، وكان يدعوهم إلى التعاون والتحابب والإيثار، ويحرّم عليهم وينهاهم عن الغش والاحتكار، ويرسخ قواعد التعامل بينهم في سائر علاقاتهم الأسرية والاجتماعية والتجارية، ويحضّهم على التمسّك بتعاليم الإسلام العظيم.. كل ذلك بأسلوب فريد من نوعه، وصفه الشيخ علي الطنطاوي بقوله:

“الرجل الذي هزّ دمشق، من أربعين سنة، هزّة لم تعرف مثلها من مئتي سنة، وصرخ في أرجائها صرخة الإيمان، فتجاوبت أصداؤها في أقطار الشام، واستجاب لها الناس، يعودون إلى دين الله أفواجاً، يبتدرون المساجد، ويستبقون إلى حلقاتها..

وهو علامة الشام.. بل هو في الشام علم الأعلام، أعطي من التوفيق في العمل، والعمق في الأثر، ما لم يعط مثله الشيخ بدر الدين ولا غيره من مشايخ الشام في تلك الأيام.”

كان المسجد الذي يدرس فيه الشيخ علي الدقر “يمتلئ كله، ويقف الناس على أبوابه وأمام نوافذه، ولم يكن في الدرس علم غزير، ولكن كان فيه شيء لا يجده سامعه عند ذوي العلم الغزير. فيه الموعظة التي تخرج من القلب، لتقع في القلب، فتحرك فيه خامد الشعور، وتثير فيه كامن الإيمان.. فيه يملأ بالدموع المآقي، ويبكي من الخشوع العيون، فيه ما يقيم ويقعد، ويلين أفئدة كانت أشدَّ من الصخر، ويستخلص من أيدي الشيطان نفوساً كان قد تملّكها وتحكّم فيها الشيطان. فيه ما يشعره حاضره أنه انتقل من هذه الدنيا، إلى مجالس الجنان.

فيه مالا أستطيع أن أعرّف القارئين به، لأنه شيء يُرى ولا يوصف،ويذاق ولا يُعرف، وكان الشيخ يُسأل: من أين يأتي بهذا الكلام الذي يلقيه على الناس؟ ومن أيَّ كتاب ينقله؟ فما كان يجيب، ولو أجاب لقال: إنه ينقله من الصلاة في ظلمات الليالي، ومن المناجاة في هدآت الأسحار، ومن حلاوة الإيمان التي يذوقها في ساعات الخلوة بالله، والتوجّه إليه، والقيام بين يديه..”

“إنه، إنْ وعظ، لم يأت بألفاظ حلوة تقرع الأذن، ثم لا تتجاوزها، بل بمعان تصل إلى القلوب، قبل أن تصل الألفاظ إلى الآذان.”

عندما يقرر الدرس، ما كان يقتصر على عبارة الكتاب الذي يدرسّه، بل كان ينطلق لسانه بكلمات ترّقق القلوب، وتذكّر بالآخرة.. كان فيها روعة من التذكير، وشدة التأثير، ما ليس له نظير.

كان يخشع هو، فيخشع السامعون، ويبكي فيبكون..

وكان يرى إقبال الناس عليه فيعجب ويتساءل: نحن نحن، ما تبدّل فينا شيء، فما الداعي لهذا الإقبال والازدحام؟

ويعجب تلاميذه وإخوانه من كلامه هذا، ولسان حالهم يقول: إنه الإخلاص.. إنه الورع والتقوى.. إنه صفاء القلب والعقل والنفس.. إنه حبّ الله وحّب رسوله صلى الله عليه وسلم، الذي ملك عليه أقطار قلبه وعقله.. إنه الخشية التي جعلتك تقول: إن كلَّ علم لا يورث خشية، لا يزيد صاحبه إلا بعداً من الله تعالى، فوازنتَ بين العلم والعمل، وكنتَ مخبتاً لله، زاهداً، متقشّفاً، وقد أورثك هذا وسواه، إقبال الناس عليك، وازدحامهم على دروسك، وتأثّرهم بمواعظك، وامتثالهم لأوامرك وتعليماتك المستمدّة من كتاب الله وسنّة رسوله، البعيدة عن الهوى،العاملة على سرد الخرافات والبدع من حياة المبتدعين وأتباعهم الجهلة، حتى لا يفسدوا على الناس دينهم وعقيدتهم.

النهضة العلمية

أستطيع أن أؤكد أن الشيخ علي الدقر هو صاحب أضخم نهضة علميّة في بلاد الشام في القرن الرابع عشر الهجري، العشرين الميلادي.

وسبب هذه النهضة التي دُعيتْ بنهضة العلماء، أن الشيخ علياً كان محبّاً للعلم، شغوفاً به شغفاً جعل أباه التاجر الكبير يأسى لحاله، ويشكو إلى بقّال صديق ما قد يؤول إليه مصير ولده عليّ الذي ترك التجارة، ولحق المشايخ ودروسهم في المساجد، وترك المال والعزّ والجاه الذي يرتع هو وأولاده الآخرون في نعيمه، فيما الشيخ علي زاهد في كلّ ذلك، مقبل على طلب العلم، والجلوس بين أيدي المشايخ.

وشاء الله أن يمتدّ العمر بذلك البقال، ليرى ما وصل إليه الشيخ علي من العزّ، وهو يراه من دكانه، وقد حفّ به أصحاب العمائم، فيتذكّر شكوى أبيه الحاج عبد الغني، وخوفه الفقر والعوز على ولده، يتذكّر هذا فيهتف بأعلى صوته:

“أين أنت يا أبا صادق، لترى العزّ الحقيقي لابنك الشيخ علي.”

وثمة سبب آخر، هو ما كان عليه التعليم الرسمي من بُعْدٍ عن الله وعن تعاليم الإسلام ومبادئ الأخلاق، وتأثر بالغرب وعلومه.

فكّر الشيخ عليّ مليّاً فيما يعمل، واستخار الله تعالى، ثم هداه تفكيره إلى البديل عن تلك المدارس ذات المناهج العلمانية.. والبديل في إنشاء مدارس ومعاهد شرعيّة، تعلّم العقيدة، وأحكام الإسلام، والعلوم الشرعية، والعلوم العربية التي هي مفتاح العلوم الشرعية.

ولا بدّ لإنشاء المدارس والمعاهد من أموال، ورجال، ونظام، وهذا يتطلب إنشاء جمعية، فقرّر، بالتعاون مع التجار الذين يحبّونه، ويثقون به، وبصلاحه، وبسداد رأيه، وبتوفيق الله إياه لما فيه خير الأمة في دينها ودنياها، وبالتعاون مع بعض العلماء أيضاً، كالشيخ هاشم الخطيب، وبمباركة محدّث الشام الشيخ بدر الدين الحسني.. قرّر إنشاء (الجمعية الغرّاء لتعليم أولاد الفقراء) ثم انطلق يحشد الطلاب لدراسة العلم الشرعي من أولاد الفقراء في حوران، والأردن، وبعض المدن والقرى السورية.

الجمعية الغرّاء

كان لهذه الجمعية التي تأسست عام 1343هـ – 1924م آثار في النهضة العلمية في بلاد الشام، وقبل أن تتخذ لها مقراً تجتمع فيه إدارتها، ويرتاده الناس، أنشأت مدرسة في بناء المدرسة السميساطية لطلاب المراحل الابتدائية والإعدادية والثانوية، وصار مقرّ إدارة المدرسة مقرّاً لإدارة الجمعية، وانطلق تلاميذ الشيخ علي إلى قرى حوران، يأخذون من كل قرية واحداً أو أكثر من أبنائها الذين يتوسمون فيهم الذكاء والنجابة، حتى كثر الطلاب من الجنسين، وضاقت بهم المدرسة السميساطية، فبادرت الجمعية إلى اعتماد مراكز للتدريس في جامع العدّاس، والتكيّة السليمانية، والمدرسة الخيضرية، والمدرسة السباهية، وقد توزعت على عدد من أحياء دمشق القديمة، من الباب الشمالي للجامع الأموي، إلى باب الجابية، إلى سواهما.

“وفي سنة 1353هـ تقريباً – أواخر أيام الانتداب الفرنسي – استولت الجمعية على جامع تنكز بشارع النصر، فصار مقراً لها، وفيه أسست ثانوية شرعية سُمِّيت: معهد العلوم الشرعية الإسلامية. تكفّلت الجمعية لطلابها بالطعام، والكساء، والمبيت… وقامت بتعليم الفقراء مجاناً.. واهتمت بتعليم علوم الدين، والدنيا، والتوجيه الخلقي العام.”

وكان يتبع لها من المدارس الابتدائية التي أنشأتها:

1 – مدرسة سعادة الأبناء. للذكور. فيها مئات الطلاب.

2 – مدرسة وقاية الأبناء. للذكور. فيها مئات الطلاب.

3 – مدرسة هداية الأبناء. للذكور. فيها مئات التلاميذ.

4 – مدرسة روضة الحياء. للإناث. فيها مئات التلميذات.

5 – مدرسة زهرة الحياء. للإناث. فيها أكثر من مئة تلميذة.

كما أسست من المدارس الثانوية ست مدارس ومعاهد للذكور والإناث منها:

1 – معهد العلوم الشرعية. للذكور. فيه مئات الطلاب.

2 – ثانوية السعادة. للذكور. فيها مئات الطلاب.

3 – معهد العلوم الشرعية. للإناث. فيها مئات الطالبات.

قال الشيخ علي الطنطاوي في ذكرياته 168/1:

” لقد أثمرت – الجمعية الغراء – خيراً كثيراً، وخرّجت علماء ودعاة، وأحيا بها الله أرض حوران والبلقاء – الأردن”.

بل خرّجت مئات الدعاة، والعلماء، والخطباء، والأدباء، والوعاظ، والمعلمين، والمدرّسين، وأساتذة الجامعات، والمفكرين، أذكر منهم بعض العلماء الذين علّمونا في معهد العلوم الشرعية، وكانوا من فطاحل العلماء الذين سعدت بهم دمشق:

1 – الشيخ حسن حبنكة (العلامة المجاهد المربي).

2 – الشيخ عبد الوهاب الحافظ (دبس وزيت) (مفتي الأحناف بدمشق).

3 – الشيخ نايف عباس (علامة التاريخ والفرائض).

4 – الشيخ أحمد الدقر (مدير المعهد).

5 – الشيخ عبد الغني الدقر (الأديب، النحوي، الفقيه، المحدّث).

6 – الشيخ عبد الكريم الرفاعي (العالم الرباني).

7 – الشيخ أحمد منصور المقداد (الشافعي الصغير).

8 – الأستاذ محمد الدقر (محام وقاض).

9 – الشيخ خالد الجباوي (سيبويه الصغير).

10 – الشيخ عبد الرؤوف أبو طوق (الخطيب المفوَّه).

11 – الدكتور الشيخ محمد أديب الصالح.

12 – الشيخ عبد الرحمن الزعبي (الطيبي) – المفسّر والمحدّث -.

13 – الدكتور محمد خير عرقسوسي.

14 – الشيخ عز الدين الحايك.

15 – الشيخ عبد الوهاب الصلاحي.

16 – الشيخ محمد كامل الخطيب.

17 – الشيخ محمد السيد.

18 – الشيخ عبد الله الراشدي.

19 – الشيخ محمد علي المصري.

20 – الشيخ عبد الرحمن بركات.

21 – الدكتور فتحي النحلاوي. طبيب المعهد.

وأمّا مئات العلماء الذين تخرجوا في معاهد الجمعية الغراء، فأكثر من أن يُحْْصَوا، وهم منتشرون في المدن والأرياف السورية والأردنية والفلسطينية والتركيّة واللبنانية و.. تخرجوا في معاهد الجمعية الغراء ومدارسها، وملؤوا الآفاق، منذ أوائل  القرن الماضي وحتى يوم الناس هذا.

وقد شاركت الجمعية الغراء في الحياة الاجتماعية والسياسية، والجهادية، وكان مقرّها يغصّ برجال السياسة، وعلماء الدين، ووجهاء دمشق، وكانت قوائم المرشحين للانتخابات النيابية يُتَّفَقُ عليها فيها، وقد حقَّقت نجاحات باهرة في الحياة العامة، والعلمية خاصة، فأثارت نجاحاتها حسد الحاسدين، وتآمر العلمانيين، ومن يسير في ركابهم من أدعياء التدين والدين، فاتّهموها باستغلال الدين من أجل مصالح سياسية ومالية، واتّهموا مؤسسها بما ليس فيه ولا في تلاميذه ومريديه، وأظهروا أشياء وأبطنوا أشياء، وكان الله لهم بالمرصاد، ففضح ما بيّتوا وتآمروا، وبرْأ الرجل الصالح، والعالم الربّاني الشيخ علي الذي كان ينفق من حُرّ ماله، وينأى بنفسه عن المناصب والأضواء، فقد كان أزهد الناس بها إلى أن وافاه الأجل عام 132هـ – 1934م، وكذلك استمرّت جمعيته تسير على خطاه، حرباً على الفساد والمفسدين، وحرباً على البدع والخرافات والمبتدعين، وتصدّياً لمدارس التبشير والتنصير التي وفدت مع الجيش الفرنسي المحتل، وحرباً على التعصب المذهبي.

لقد أسسها الشيخ علي، وأرسى دعائمها على أسس قويمة من الإسلام الصحيح، من أجل النهوض بالعلم الشرعي، ونشر الدين الحنيف كما جاء في الكتاب والسنة، وكان له ما أراد، بفضل الله المطّلع على نيّة الرجل الصالح، وعلى إخلاصه وتقواه وورعه.

بقي أن نعرف ونتأمل هذه الحادثة..

قلنا: إن الجمعية الغراء تأسست عام 1343هـ – 1924م ولم يكن لها مقر معروف، سوى ذلك الذي اتخذته مقراً في أول مدرسة أسستها، وبقي الأمر هكذا إلى أن جاءت سنة 1353هـ فاستولت الجمعية على مدرسة جامع تنكز في شارع النصر، قلب دمشق، فصارت مقراً لها، وأسست في رحاب المسجد وبنتْ معهد العلوم الشرعية الذي تخرج فيه عدد كبير من العلماء، وثانوية السعادة.

كانت هذه المدرسة (مدرسة صف الضباط) مدرسة عسكرية يشغلها الفرنسيون المحتلون، فتحيّنت الجمعية فرصة غياب الطلاب (ضباط الصف) في رحلة خارج المدينة، وأوعزت إلى طلابها أن يحتلوها، ووضعت لهم خطة محكمة يجري تنفيذها بعد صلاة العشاء، فجمع الطلاب حوائجهم وكتبهم، واقتحموا المدرسة، واحتلّوها، ووضعوا المسؤولين من الفرنسيين المحتلين تحت الأمر الواقع.

المجاهد

أكثر الذين أرّخوا للكفاح الدامي، والثورات المتلاحقة لتحرير سورية من الاستعمار الفرنسي (1920 – 1946) أغفلوا دور علماء الدين والمشايخ وطلاب العلم الشرعي في تلك الثورات، والحقيقة أن الدور الأكبر كان للعلماء وتلاميذهم ومريديهم في تحميس الناس، وحضهم على الجهاد بالأنفس والأموال، والخروج على المحتلين المستعمرين ومقاومتهم في ميسلون، والغوطة، وحمص وحماة وحلب وجبل صهيون وسواها، وقد تحدثنا في حلقة سابقة عن جهاد الشيخ عز الدين القسام وتلاميذه في شمال سورية، وفي فلسطين، وسوف نتحدث في حلقة لاحقة عن جهاد الشيخ المجاهد كامل القصاب، إن شاء الله تعالى، ولنستمع الآن إلى ما كتبه الشيخ علي الطنطاوي في (رجال من التاريخ) عن دور المشايخ عامة، والشيخ بدر والشيخ علي الدقر خاصة. قال:

“وأنا أحبّ أن أعرض صفحة مطوية من تاريخ الشيخ بدر الدين، هي رحلته في سنة 1924 مع الشيخ علي الدقر، والشيخ هاشم الخطيب، من دمشق إلى دوما، إلى النبك، إلى حمص، إلى حماة، إلى حلب، هذه الرحلة التي طافوا فيها بلاد الشام (سورية) كلها، وكانوا كلما وصلوا بلدة أو قرية، خرج أهلها على بكرة أبيهم، لاستقبالهم بالأهازيج والمواكب، ثم ساروا وراءهم إلى المسجد، فتكلموا فيه ووعظوا وحمّسوا، وأثاروا العزّة الإسلامية في النفوس، وذكّروا بالمجد الغابر، وحثّوا على الجهاد لإعلاء كلمة الله، فكانت هذه الرحلة هي العامل الأول والمباشر لقيام الثورة السورية التي امتدّتْ سنتين، وأذهلت ببطولتها أهل الأرض.

والثورة.. قد قامت في الغوطة – غوطة دمشق – قبل أن تقوم في الجبل – جبل الدروز – وقد بدأت بخروج طلبة العلم، بدافع الجهاد “.

كانت تلك الجولة في المدن السورية، هي الشرارة التي أشعلت الثورة، كما جاء في تقرير رسمي لمندوب المفوَّض السامي الفرنسي، نشرته جريدة ( الأحرار) في بيروت، في العدد 678 الصادر في الثاني من شهر شعبان 1354هـ. وقد بدأت الثورة في الغوطة عقب عودة المشايخ من حلب، فقد خطب الشيخ علي الدقر في مسجده (مسجد السنانّية) بدمشق، وكان مما قال: “يا إخواننا!. اللصّ دخل الدار، وهو يطلب منكم ثلاثة أشياء: دينكم، ومالكم، وعرضكم.”

ولما سئل الشيخ: من هو هذا اللص يا شيخنا؟

أجاب: إنه فرنسا.

وعرف الفرنسيون المستعمرون دور الشيخ علي الدقر وتلاميذه في اندلاع الثورة، فأحرقوا مقرّ الجمعية الغراء، وجامع تنكز معاً، قبيل جلائهم عن سورية، انتقاماً وإجراماً، ولكن الجمعية أعادت بناء مقرها، مع معهد العلوم الشرعية، وثانوية السعادة التابعين لها، على طراز حديث، وجمعت في هذا المعهد سائر طلابها الشرعيين، كما عملت على إعادة بناء جامع تنكز بناء حديثاً جميلاً.

رحم الله الشيخ علي الدقر، فقد كان منارة علم، وفضل، وكرم، كما كان عالماً عاملاً بما علم، ساعياً إلى نشر العلم الشرعي الذي يورث الخشية من الله، فيبني الرجال، ويدفعهم إلى الجهاد في سائر ميادين الحياة، لينشروا نور الإسلام، وتعاليمه الخالدة، وأخلاقه الكفيلة ببناء المجتمعات على أسس سليمة، وتنفي منها الخبث والدنس.

لقد كان الشيخ علي شيخ شيوخ الشام، وعلم أعلامها الكبار، ولئن ندر الكاتبون عنه، فلم تتجاوز شهرته بلاد الشام إلا قليلاً، إنه لفي مقام كريم في قلوب العلماء الصالحين، ونحسبه عند الله مع المجاهدين، والعلماء والعاملين، وحسن أولئك رفيقاً.

*    *   *   *

المراجع:

1 – علي الطنطاوي: رجال من التاريخ.

2 – علي الطنطاوي: ذكريات.

3 – د. محمد حسن الحمصي: الدعاة والدعوة الإسلامية.

4 – محمد مطيع الحافظ، ونزار أباظة: تاريخ علماء دمشق.

5 – الزركلي: الأعلام.

 

الشيخ محمد سليم الحلواني رحمه الله


هو الشيخ الشريف محمد سليم بن أحمد بن محمد علي بن علي الحلواني، الرفاعي، الحسيني، الشافعي، الدمشقي. ولد بدمشق سنة 1285 هـ = 1868. نشأ في حجر والديه وحفظ القرءان الكريم في العاشرة من عمره، وأتم جمع القراءات العشر في الرابعة عشرة، وقرأ ختمات كثيرة على والده جمعًا ورفرادًا مشتركًا مع غيره، ولما بلغ الخامسة عشرة كان قد أتقن القرءات، وحفظ الشاطبية والدرة، وأخذ عن الشيخ سليم العطار، والشيخ بكري العطار، والشيخ عمر العطار، وأجازه الشيخ محمود الحمزاوي، والشيخ محمد المنيني، والشيخ أحمد المنير. توفي بدمشق في ربيع الأول سنة 1363 هـ = 1944ودفن في تربة الدحداح.

 

الشيـخ محمـد صالـح الفرفـور رحمه الله


محمد صالح الفرفوري الدمشقي الحنفي، من ذرية بني فرفور – بضم الفاءين – الذين كثر فيهم العلماء والأدباء والقضاة والمفتون في القرن الثامن فما بعده.
ولد بدمشق سنة ( 1318) هـ – (1901)م ونشأ بين أبوين صالحين، دفعه والده إلى المكتب ليتعلم فيه القرآن والقراءة والكتابة والحساب، ثم أدخله المدرسة الكاملية، ولما تخرج منها أخذ عليه العهد أن يطلب العلم ليحيي مجد آبائه وأجداده، فعاهده على ذلك، ولازم كبار علماء دمشق.

 

شيوخـه وتحصيلـه العلمـي:

 

العلامة المحدث الأكبر الشيخ محمد بدر الدين الحسني، فقد لازمه ملازمة تامة سنوات، قرأ عليه خلالها علوم الحديث والتفسير والفقه والأصول، والعقيدة وعلوم العربية وعلوم الفلسفة، وعلوم الفلك والميقات والرياضيات، وغيرها من العلوم الشرعية والعربية والعصرية، وانتفع به كثيراً، وقيد عنه كثيراً من الفوائد والإملاءات.
وقرأ على العلامة الفقيه الزاهد الشيخ صالح بن أسعد الحمصي، وتخرج به في علوم الفقه الحنفي وأصوله والتصوف، وانتفع به وبعلومه وزهده، وكان له أكبر الأثر في حياته.

حضر أيضاً في الفقه الحنفي على مفتي الشام الشيخ محمد عطاء الله الكسم.
وقرأ علوم الفلك والميقات على مفتي الشراكسة في مرج السلطان – شرقي دمشق – الشيخ محمد الساعاتي، وبه تخرج في هذه العلوم.
وقرأ القرآن الكريم على الشيخ محمد سليم الحلواني.
كما حضر دروساً مختلفة عند عدد من علماء الشام، كالشيخ محمد بن جعفر الكتاني، والشيخ محمد أمين سويد، والشيخ عبد الكريم الحمزاوي، والشيخ محمد نجيب كيوان، والشيخ محمد هاشم الخطيب، والشيخ عبد الرزاق الأسطواني، والشيخ محمود العطار، والشيخ محمد شريف اليعقوبي، وغيرهم.

 

مطالعة وبحثاً وتحقيقاً، واعتزل الناس من أجل ذلك اقتداءً بعزلة شيخه البدر، فقرأ خلال عزلته الكثير من الكتب العلمية والأدبية، وحفظ من أشعار العرب الشيء الكثير.

 

نهضتـه العلميـة:

 

والإرشاد، فدرس أولاً في الكلية الشرعية في بيروت سنوات، ثم تركها وأسس في دمشق نهضة علمية، بدأت في المساجد لا سيما المسجد الأموي ومسجد فتحي في القيمرية، واستمرت هذه النهضة سنوات، نبغ خلالها عددٌ جـمٌّ من طلبة العلم، استطاع أن يعتمد عليهم في التأسيس لنهضة علمية كبيرة.
وفي سنة (1375) هـ=1956 م أسس جمعية الفتح الإسلامي مع نخبة من كبار تلاميذه ، وثلة من صلحاء التجار، ثم أسس معهد الفتح الإسلامي ليضم طلبة العلم فيعلمهم فيه أصناف العلوم، ويفقههم في دينهم ويربيهم على الصلاح والتقوى، وينفق عليهم من أموال الجمعية ليتفرغوا عن مشاغل الدنيا، ويصرفوا سائر أوقاتهم إلى تحصيل العلوم.
وفي سنة (1385) هـ = 1957 م أسس معهداً خاصاً بالإناث، ليعلمهن العلوم الشرعية، وهي أول نهضة من نوعها تقام في دمشق آنئذ.
ولا زال هذا المعهد المبارك بفرعيه قائماً مستمراً بفضل الله، يخرج المئات من طلبة العلم والدعاة والداعيات.
وكانت للشيخ رحمه الله نشاطات أخرى في مجال التعليم والإرشاد، فعقد حلقات علمية في بيته تضم تلامذته ومعارفه ومحبيه، وعقد حلقات للتجار في حوانيتهم وبيوتهم، كما كان يتردد على السجون ويعقد فيها الدروس الوعظية يذكر أهلها بالتوبة والإنابة، واهتم أيضاً باللاجئين الفلسطينيين، فأرسل عدداً من طلابه إلى مخيماتهم لتعليمهم وتفقيههم، كما أرسل كثيراً من الطلاب إلى القرى والأرياف وأماكن البدو، لتعليمهم وتفقيههم وفتح المساجد المغلقة.

 

أشهر تلاميذه الذين لازموه السادة الأعلام:

 

الشيخ العلامة عبد الرزاق الحلبي-ت(1433)، والشيخ رمزي البزم ـ ت (1411)هـ ، والشيخ محمد ديب الكلاس ت(1432)، والشيخ إبراهيم اليعقوبي ت (1406)هـ ، والشيخ صبحي القيسي البغجاتي ت (1413) هـ ، والشيخ شعيب الأرناؤوط، والشيخ عبد القادر الأرناؤوط ت (1426)هـ، والشيخ سهيل الزبيبي، والشيخ أحمد رمضان، والشيخ نور الدين خزنه كاتبي، والشيخ موفق النشوقاتي ت(1421)هـ، والشيخ أحمد نوناني القتابي، والشيخ صبحي النمر.
ومن تلامذته أبناؤه الأكارم،الدكتور محمد عبد اللطيف، والدكتور حسام الدين، والدكتور ولي الدين، والسيدة فاطمة، والسيدة لطفية، وسائر أبنائه وبناته.
وظائفـه الدينيـة:
تولى رحمه الله عدداً من الوظائف الدينية، أبرزها:
1 – وظيفة التدريس الديني في مساجد دمشق.
2 – وظيفة الإمامة في مسجد سنان آغا في المناخلية.
3 – وظيفة الخطابة في المسجد المذكور، ثم انتقل منه إلى مسجد السادات أقصاب.

 

أبـرز مؤلفاتـه:

 

لم يلتفت الشيخ رحمه الله إلى التأليف إلا متأخراً، لانشغاله بتربية الطلاب وتأسيس النهضة.

 

فمن أبرز تصانيفه:

1 – النسائيات من الأحاديث النبوية الشريفة.
2 – من مشكاة النبوة شرح الأربعين النووية.
3 – الرسالة النافعة والحجة القاطعة في التوحيد.
4 – المحدث الأكبر وإمام العصر العلامة الزاهد الشيخ محمد بدر الدين الحسني كما عرفته.
5 – الدر المنثور على الضياء الموفور في أعيان بني فرفور.
6 – سلسلة الخلود ( من نفحات الخلود، من نسمات الخلود، من رشحات الخلود).
وهي مطبوعة، ومن أبرز تآليفه المخطوطة:
7 – الإفصاح في شرح الاقتراح في أصول النحو.
8 – تهذيب نور الإيضاح مع شرحه.
9 – شرح جوهرة التوحيد.
10 – تاريخ مسجد الأقصاب ومن دفن فيه من الأصحاب.
11 – ترجمة العلامة الزاهد الشيخ عبد الحكيم الأفعاني.
12 – ديوانه الشعري واسمه ” آلام وآمال “.
وغيرها من المؤلفات، وقد كتب رحمه الله مقالات في عدد من المجلات من أبرزها: مجلة التمدن الإسلامي بدمشق.
شعـره:
عني الشيخ رحمه الله بقرض الشعر مبكراً منذ الخامسة عشر من عمره، لكنه كان آنذاك مبتدئاً في هذا الباب، فلما نمت مواهبه وصقل شعره أتلف الكثير من نظمه القديم.
اعتنى رحمه الله في شعره بأغراض عدة، من أبرزها: المديح والرثاء والحماس والإصلاح وغير ذلك، وقد جمع له ولده الدكتور عبد اللطيف أشعاره في ديوان خاص، اسمه ” آلام وآمـال ” لم يطبع حتى الآن.
مـن أشهـر قصائده:
1 – قصيدة في مدح سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم مطلعها :
أحياناً حبك يا مختار أحيانا …. وأصبح القلب من ذكراك نشوانا
في نيف وأربعين بيتاً .
2 – قصيدة في وصف حادثة الفيل، مطلعها:
يا راعي السود قد خابت أمانيه …. وراكب الفيل يطوي البيد في تيه
في نحو أربعين بيتاً .
3 – قصيدة في وصف حال العرب والمسلمين، وما حل بهم من ضعف وهوان، يدعوهم فيها إلى الجد والعمل والإخلاص، وهي بعنوان: ” همات وأفعال ” ، مطلعها:
إن الحيـاة لآلام وآمــال …. وناشـد العـز لا يعـروه إهمـال
4 – ومن شعره القصيدة التي سماها معلقة أو ملحمة، مطلعها:
بني العرب لا تبقوا على الهون باقيا …. ولا تذروا الآمال صرعى الأمانيا
وهي تشبه سابقتها في موضوعها.
وله في الرثاء قصائد كثيرة، من أبرزها: مراثي الشيخ بدر الدين الحسني، والشيخ عبد القادر الخطيب، والشيخ نجيب كيوان، والشيخ محمد هاشم الخطيب، والشيخ عبد الرحمن الخطيب، والشيخ محمود العطار، والشيخ حسن حبنكة، وغيرهم.
وفاتــه:
عاش الشيخ رحمه الله حياة مليئة بالجهاد في سبيل نشر العلم والفضيلة، إلى أن وافاه الأجل في الخامس من المحرم سنة (1407)هـ ، الموافق للتاسع من أيلول سنة (1986)م، وصلي عليه في المسجد الأموي، ودفن في مدفن مسجد الشيخ أرسلان الدمشقي، في قبر قاضي القضاة ولي الدين ابن الفرفور، تغمده الله بواسع رحمته ورضوانه.
أولاده:
الدكتور محمد عبد اللطيف، والدكتور حسام الدين، والدكتور ولي الدين، والدكتور عبد الرحمن، والدكتور نصر الدين، والأستاذ عبد الله، والأستاذ أحمد شهاب الدين، والسيدة فاطمة، والسيدة لطفية، والسيدة أسيمة، حفظهم الله تعالى.[الترجمة منقولة]
 

الشيخ محمد ابو اليسر عابدين رحمه الله


 

هو الشريف الشيخ محمد أبو اليسر بن محمد عابدين مفتي الجمهورية العربية السورية. ولد بدمشق سنة 1307 هـ = 1889وأخذ علومه الشرعية عن عدد من علماء دمشق، ثم دخل كلية الطب في الجامعة السورية وتخرج منها طبيبا ومارس مهنة الطب مدة ثلاثين عاما، ثم عين مفتيا للجمهورية العربية السورية بعد الشيخ محمد شكري الأسطواني. توفي بدمشق سنة 1401 هـ = 1980ودفن بمقبرة الباب الصغير.

 

الشيخ عبدالله فائز الدغستاني رحمه الله


الشيخ عبدالله فائز الدغستاني المنسوب من أبيه بسيدنا عثمان بن عفان ومن والدته بسيدنا المقداد بن الأسود وشغل والده منصب رئيس الأطباء في منطقته المولود في قرية من قرى قفقاس أسمها كيكونوا سنة 1294هـ 1877م ويقول الشيخ عدنان القباني في كتابه الفتوحات الحقانية أنه ولد عام 1303هـو أنه أصغر من الشيخ شرف الدين بعشر سنوات وتوفي الشيخ شرف الدين سنة 1354هـ وكان من العمر ثلاث وستون عاماً قمرياً.

وفي فترة ظهور الشيخ كان الوضع في داغستان أشبهه بالرماد المتراكم على الجمر الملتهب ، أدت ذلك إلى تهجير داخلياً وخارجياً ثم اندلعت بعض الثورات اليائسة ، ويقول ففي هذا التوتر ولد الشيخ عبد الله في منبت مؤمن طاهر ذلك المربي والصوفي الجليل والمجاهد العظيم ساطان الاولياء الشيخ عبد الله الفائز الداغستاني وعلى وجه التقريب لا الدقة أن قريته قريب من غيمريبلد الشيخ شامل وغازي محمد.تربى الشيخ عبد الله في بيئة صوفية نقشبندية و من سلسلة أبي أحمد ألثغوري عن جمال الدين الغموقي ورأى بأم عينه كيف ينتهك بلاده ودينه من قبل الغزاة الروس.

الرحيل إلى بلاد الله الواسعة إلى الدولة العثمانية برفقة كل من الشيخ عبد الرشيد أفندي والشيخ أبو محمد المدني والطبيب الشيخ محمد علي حسين و أن القافلة كانت مؤلفة من ثمانمائة عائلة منهم أستوطن في تركيا ومنهم إلى شرقي الأردن. وعلى طلب والده تعلم القراءة والكتابة وتعلم من شيخه أبي أحمد ألثغوري القرآن والفقه الشافعي والاخلاق وأصول الدين وتعلم من الشيخ شرف الدين في الرشا دية واجتهاد والعلوم الظاهرية والكشفية وحفظ المنقول والمعقول ما يبهر الألباب وأنشغل مع أهله وجيرانه في بناء القرية وإصلاح الأراضي كما وتعلم قصص الصالحين وشيء من النحو العربي وتعلم من والده الطب بإتقان وبايع الشيخ شرف الدين عندما استلم من خاله الشيخ أبو محمد المدني وكان أول المريدين في التعلم والعمل والاجتهاد في الأوراد والأذكار والعبادات والتضرع إلى الله تعالى ويقول الشيخ عبد الله ( لاشي في الدنيا يستحق أن نضيع عمرنا من أجله إلا الذي خلق النفس والنفس والدنيا فاعمل له لا لغيره تكسب سعادة الدارين ) اشتدت اهتمامه بالعبادة والطاعة وتلاوة القرآن ودخل الخلوة لمدة خمس سنوات كاملة ن وعمل مؤذناً في المسجد ن وتوفي والده في هذه الفترة وعودة أخيه إلى بلده لاستقرار البلاد لبعض الشيء وبقية والدته معه ، تزوج من أمرآة أسمها حليمة ولم يساق إلى الخدمة العسكرية العثمانية كون سجل وحيداً ويقول في وصفه عن الذين يركضون وراء الدنيا بأنهم ( وخلق الإنسان مجنوناً ) ويقول شيخنا الجليل حسين العلي أنه عندما سمع منه تذكر قول الله تعالى ( وخلق الإنسان ضعيفاً ) وقرأت ( وكان الإنسان عجولاً ) كان الشيخ عبد الله قليل في طعامه وكلامه إلا في النصيحة وقليل النوم لآن قلة النوم هو صفات الكرام وكان يشعر بجوع الفقراء ويقول الشيخ عبد الله أن أول بلاء نزل بالمسلمين بعد رسول الله عليه الصلاة والسلام (( الشبع فلما شبعت بطونهم سمنت أبدانهم وضعفت قلوبهم فجمحت شهواتهم كما كانت عائشة رضي الله عنها تقول ( اترك النوم للقبر والطعام للثيران واللغو للكلاب وكن عبداً لله ليس له هم إلا إرضاء سيده الذي هو رب العالمين.

في عام 1914 طلب الشيخ شرف الدين لأداء فريضة الجهاد ضد الإنكليز فقدم الشيخ عبد الله نفسه بدلاً من الشيخ شرف الدين لأن الأمة بحاجة إلى الشيخ شرف الدين ، إلى مأمورية المنطقة في يلوة وبعد جدال بينه وبين شيخه وإصراره أبدله المأمور وألبسه لأول مرة اللباس العسكري العثماني ونقل إلى جبهة البوسفور و الدردنيل وحارب في موقعة جنا قلعة وأصابته رصاصة طائشة في صدره وبقي اثنا عشر يوماً جريحاً ولم يخرج الرصاصة من صدره كونها قريبة من أغشية القلب ودفنت معه في ضريحه في الشام.

ثم نقل من الجهاد إلى الرباط في القدس تسعة أشهر وكانت المدة بالنسبة له الخلوة بل أعظم فقد جمع فيها بين القيام بالطاعات والذكر في ثالث الحرمين الشريفين.

وانتهت الحرب العالمية الأولى بهزيمة العثمانيين واقتسام المنتصرين أملاك هذه الدولة.ثم سرح الشيخ عبد الله من خدمة الجيش حاملاً جرحاً في قلبه وآخر في عقله ومشاعره نتائج خسارة المسلمين نشط علماء المسلمين ومشايخهم رغم صعوبات الإنكليز عن كتم الأنفس وباتوا يسخرون من الإسلام علناً وفي فترة وجيزة استولى الضابط التركي الماسوني مصطفى كمال على السلطة الذي تربي في سلانيك مقر المحافل الماسونية وساعده في خلع السلطان عبد الحميد / عزيز المصري وقائد الحملة آنذاك محمود شوكت فتقرب من علماء الدين ثم انقلب عليهم وقد ألغى مصطفى كمال التعليم الديني في /15/ فبراير 1924 مع قراري إلغاء الخلافة ووزارة الأوقاف والشؤون الشرعية وتوحيد التعليم في /3/ مارس 1924 وطرد كل أفراد آل عثمان خارج البلاد وأصدر في عام 1925 قانون الملابس في تركيا وتبديل الطربوش بالقبعة ، وبهذه الفترة لم يهدأ الأوضاع وصار ينتقل من قرية إلى قرية في نشر التعاليم الصوفية. بهذه الفترة الصعبة من الأوضاع الداخلية والخارجية أنتقل إلى رحمة ربه الشيخ شرف الدين سنة 1354هـ 1935م بجلطة قلبية وهو يتوضأ فقد الشيخ عبد الله المربي والمرشد والدليل والإمام والداعي ويقول أن الشيخ لم يمت بينهم إلا جسداً ويستشهد بقول الله تعالى ( وبشر الصابرين الذين إذا أصبتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون ) وبعد وفات الشيخ شرف الدين ألتف مريدي الشيخ حول الشيخ عبد الله أفندي واعتبروه خليفة الشيخ الأوحد رغم وجود آخرين ولكن الشيخ عبد الله يختلف عنهم بشهادة الشيخ شرف الدين

نصيحة الشيخ شرف الدين للشيخ عبد الله قبل وفاته بعامين أو اقل قال : ( ولدي إن الله عز وجل لم يشأ لي باب السكنى في الشام ولكنني أسال الله عز وجل أن لا يحرمك من ذلك فإن الوضع هنا خطير ولا ينجيك إلا الهجرة في سبيل الله فالوعظ هنا ما عاد يفيد فالكفر في هذه الأيام تسلح ضدنا ) وقد زاره القنصل المصري استانبول (لملوم باشا) بعد وفات الشيخ شرف الدين كان يحب الشيخ وطلب منه أن يزوجه إحدى بناته فأجاب الشيخ بأنه ليس عنده بنات عز وبات بل عنده (مديحة ) فزوجها على سنة الله ورسوله وبعد انتهائه من الخدمة سكنوا في الإسكندرية بمصروأراد الشيخ أن يزوراهما سنة 1356هـ 1937م فباع كل ما يملكه ولكن أهالي القرية وأولاده رفضوا بالرحيل للشيخ ولكن أصر على ذلك بسبب الأوضاع الأمنية ورافق أبا بكر الداغستاني بمفرده عن طريق ديار بكر – نصيبين – القامشلي – حلب – دمشق ولكن سافر الشيخ عن طريق أنطا كية – باب الهوى – حلب – دمشق دفعهم على ذلك للتضليل مخابرات أتاتورك والبحث عن الشيخ أحمد اللامع بقي الشيخ عبد الله ليال في حلب في فندق ( سوريا ولبنان ) وفي حلب التقى مع أحد مريديه الشيخ اللامع فأرسل معه برسالة إلى جبل الأكراد طالباً الالتحاق به في الشام فيقول العلامة الفاضل الشيخ حسين ( كان احمد اللامع عندنا في القرية وجاءته الرسالة باسم رجل اسمه عبد الله أفندي فتساءل احمد اللامع من هو عبد الله أفندي ويطلب منه الالتحاق به في الشام بجامع الدقاق ويقول الشيخ حسين حين سمع بهذا الرجل استدان من أحد مريده في القرية أنه تحمس لرؤيته فوصل رسالة من الشيخ اللامع إلى الشيخ حسين ويقول فيها : إلى حسين أفندي وبعد السلام قال : ( إن عبد الله أفندي ذاك رجل من الأولياء العظام والمشايخ الفخام ) فسافر الشيخ حسين إلى الشام وهناك ركب الترام إلى جامع الدقاق في الميدان فسألنا عند استقبالنا من قبل رجل داغستاني اسمه (صبغة الله ) وهو من المهاجرين فأخذنا إلى بيته وبعدها دق الباب من قبل الشيخ أحمد اللامع ثم أكلنا وذهبنا إلى جامع الدقاق فستقبلنا أبو بكر وهو خادم الشيخ عبد الله وبعد صلاة العشاء خرج الشيخ عبد الله من خلوته ومن عادتهم لا يتكلمون في الخلوة ولكن تكلم مع الشيخ حسين أكثر من ساعة وهذا القول للشيخ حسين العلي ، ثم أشار الشيخ عبد الله إلى لباس الشيخ حسين الذي كان يلبس يومها طربوشاً كردياً فلكلورياً خيطته أمه له ويقول الشيخ حسين كأنه لم يعجبه كما فعل الشيخ خالد بخاص محمد حيث لم يعجبه زينة بلاده وآثر التواضع على الزينة ن فاستبدل بغطاء الرأس بالعمامة وبعد الانتهاء من الخلوة بعد أربعين يوماً ذهب إلى الإسكندرية وطلق ابنته من لملوم باشا الذي لم يستطيع أن يقاوم أهله وأجبروا ابنتها مديحة بترك الصلاة ولبس لباسهم وحضور مجالسهم الفاسدة ورجع عن طريق البحر إلى بيروت ثم دمشق فسكن في فندق ثم في دار للأوقاف ثم في زاوية الشيخ حسن الجباوي وقد أعانه إمام جامع الدقاق .

وبعد وفات الشيخ أحمد اللامع ودفنه بعد صلاة العصر سنة 1359هـ 1940م فأرسلوا الخبر لأولاده فلم يحضر أحد منهم ثم أخذ مريدوه العهد على الشيخ عبد الله ويقول الله في كتابه العزيز ( ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً ) سورة النساء الآية (69) ، ثم دخل الخلوة وبرفقته الشيخ حسين العلي سنة 1360هـ 1941م في جامع النقشبندي في حي الميدان ، ثم اتصل بعلماء الشام ومشايخهم متباركاً بهم متعلماً منهم ومعلماً ومربياً لههم – كما واتصل بمشايخ وعلماء الأطراف : مدينة حمص : منهم الشيخ سعيد السباعي بيروت : الشيخ توفيق الهبري – والشيخ مختار العلايلي – والشيخ عبد الله العلايلي مدينة حلب : الشيخ العزوزي – والولي العارف الشيخ شهيد – والعارف الشيخ رجب الطائي – والشيخ ولي وشيخ القراء – والشيخ نجيب خياطة – والشيخ العالم عبد الرحمن خياطة – والشيخ كامل السرميني والشيخ أحمد المصري والشيخ محمد النبهان والشيخ أحمد عز الدين البيانوني والشيخ محمد الخوجة ومحدث حلب وأبن محدثها الشيخ عبد الله سراج الدين والشيخ عبد اللطيف بادنجكي والشيخ عبد الرؤوف بادنجكي والشيخ طاهر خير الله والشيخ محمد زين العابدين الجذبة والتقى بالشيخ الطريقة النقشبندية الكبير محمد أبو النصر الحمصي ، فسأل الحمصي الشيخ عبد الله الداغستاني هل تعرفني قال لا بل أعرف أباك الشيخ سليم رحمه الله أما أنت فلم أكن أعرفك قبل اليوم ، فنظر الحمصي إلى مريدية بتواضع عظيم ويقول لهم إن الشيخ يعرف والدي في ديوان الأولياء أما أنا فلم أبلغ ذلك المقام وفي مدينة دمشق ألتقي بكل من : الشيخ إبراهيم الغلاييني والشيخ محمد الغلاييني والشيخ مكي الكتاني والشيخ أحمد كفتا رو والشيخ عادل الدادا والشيخ عبد الحكيم النير والشيخ صبحي خيزران والشيخ محمد أبو الخير الميداني والشيخ سعيد البر هاني والشيخ محمد الهاشمي والشيخ أحمد الحارون وغيرهم أمضى الشيخ عبد الله في الشام أياماً عصيبة ، قاسى فيها الفقر والضيق الشيء الكثير مع كبر سنه ويقول الشيخ حسين انه اشترى لشيخه بيته الذي في قاسيون الآن كما اشترى بجواره قطعة أرض صغيرو بأمرمن شيخه أ قام عليها مسجداً سماه ( مسجد المهدي ) –
ويقول الشيخ حسين أن هذا الجامع قد أشيد على دفعات ودام العمل في تشيد المسجد في بنائه حتى تمامه خمسة وستين يوماً .

كما قام الشيخ بجولات في المناطق السورية وخاصة مدينة حلب وجبل الأكراد وتعرف على علمائها ، وكانت أغنى زيارة له في حلب سنة 1959م وبرفقته الشيخ ناظم والشيخ حسين والحاج محمد هلال محا يري وأبو بكر الداغستاني والشيخ عمر حسن من جبل الأكراد ومكث في منزل الشيخ فاروق عتقي ليلة ثم منزل الحاج هلال المحا يري في باب قنسرين ، ومن بعد صلاة العصر حتى صلاة العشاء كان يزور معالم حلب وعلماءها وطلاب العلم ودامت هذه الزيارة خمسة عشر يوماً ويقول الشيخ فاروق أن الشيخ عبد الله كان لا يتكلم في مجلس بكلام تكلم به من قبل لسعة فكره وإلمامه بعلوم الدين وقد أوصى الشيخ محيي الدين بن عربي الإمام فخر الدين الرازي حيث قال له في رسالته الشهيرة إليه : ( فارفع الهمة في أن لا تأخذ علماً إلا منه سبحانه على الكشف فإنه عند المحققين أن لا فاعل إلا الله فإذن لا يأخذون إلا عن الله لكن كشفاً لا عقلاً وما فاز أهل الهمة إلا بالوصول إلى عين اليقين أنفة بقاء مع علم اليقين )

قال الشيخ عبد الله ماذا أعددتم لها وباستطاعة الدولة أن تقصف كل المدن ما هو ردكم دون حكمة أنتم العلماء يجب أن تكونوا حكماء أيضاً ( يوتى الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً ) صورة البقرة ص 269 فأرشدهم بهذا القول ( العاقل يندم قبل العمل ويراجع نفسه لكن الأحمق هو من يندم بعد العمل ) فطلب منهم ورقة كما جاء في كتاب الطريقة النقشبندية – فقد بشرني رسول الله صلى الله عليه وسلم بحل المشكلة اليوم في الرؤيا بإعطائي مفتاحين كبيرين – وليترجم حسين واكتبوا بصيغة جيدة تناسب مراسيم الرئاسة : ( إلى فخامة الرئيس إننا مسلمون وتأبى نفوسنا أن نخضع لغير حكم الله فينا وإن ما رأيته منا اليوم هو طلب ورجاء وليس عدوان على الدولة أو تمرد كما فسر لكم إننا ندعو لكم بالخير ونرجو أن تنظروا في هذا المر وكذلك أمر المعتقلين منا والسلام عليكم ) 0 وقال خذها أنت وثلاث منكم يفتح الله عليكم إن شاء الله وتكونون قد بلغتم ويبقى الذنب ذنبه ثم إنهم ذهبوا بالرسالة إلى الرئيس الشيشكلي وقال لهم أذهبوا إلى بيوتكم وسيخرج المعتقلون منكم وسننظر في الأمر فإن أمراً كهذا لا يكون بين عشية وضحاها فحج الشيخ سنة 1954/1955م ومعه زوجتيه ( حليمة وصبيحة ) ومعه كل من الشيوخ الشيخ ناظم والشيخ حسين والشيخ فاروق عتقي وبسبب المشقة التي تلقوه مرضت السيدة حليمة وماتت ودفنت في المزدلفة. فذهب الشيخ مرات إلى المدينة المنورة بنية الخلوة سنة /1948/م و/ 1958م/وسنة 1960م / وسنة/ 1965م / وفي آخر زيارته للمدينة المنورة.

بعد مراحل من مرضه انتقل إلى جنان الرضا في 4 رمضان 1393هـ /30/ أيلول /1973/م فرحمه الله تعالى وقدس سره وأعلى درجاته عنده إنه سميع مجيب وفي اليوم التالي غسل وكفن وصلوا عليه في جامع الشيخ محيي الدين ودفن في مسجده في الزاوية الشمالية الشرقية ويقول مؤلف الفتوحات الحقانية الشيخ عدنان قباني ( وهكذا كان قدس الله سره الأب والأم والمرشد الحنون ومجير الضعيف ومقري الضيف ومعين المحتاج وواصل الرحم والرفيق الشفيق صاحب القلب النور والنفس القدس وصاحب اليد البيضاء على الأمة وعلى أهل الطريقة النقشبندية العلية وكان يقول : كلكم أحبائي يا عباد الله وأنا خادمكم فلا تؤاخذوني وسامحوني .

 

الشيخ إبراهيم اليعقوبي رحمه الله


 

هو إبراهيم بن إسماعيل بن محمد الحسن اليعقوبي الحسني. جزائري الأصل هاجر جدّه محمد الحسن إلى دمشق مع بعض المشايخ سنة 1263هـ. وُلِدَ رحمه الله بدمشق ليلة الأضحى سنة 1343 هـ وقد أخذ العلم عن مشايخ كثيرين: منهم وقد كان أولهم والده الشيخ إسماعيل: فقد لقنه وهو صغير مبادىء العقيدة والقرآن الكريم, والشيخ مصطفى الجزائري الذي لقنه مبادىء العلوم, والشيخ محمد علي الحجازي الذي حفظ عليه أكثر القرآن الكريم, والمرشد الشيخ محمد الهاشمي الذي أجازه بخطه إجازة عامة, والشيخ محمد المكّي الكتّاني الذي روى من طريقه الأحاديث المسلسلة كحديث الرحمة والمشابكة والمصافحة وحديث معاذ بن جبل: -والله إني لأحبك-, وأجازه بخطه مرتين.

كما قرأ على الشيخ محمد صالح الفرفور مؤسس معهد الفتح الإسلامي قرأ عليه علوماً كثيرة مثل: شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك, وجواهر البلاغة, وعلىالشيخ عبد الوهاب الحافظ الشهير بدبس وزيت, ولقد أجازه شفهياً مرات, وتوفي الأخير رحمه الله قبل أن يجيز الشيخ كتابياً, وكان الشيخ عبد الوهاب يقول: إذا أردتم أن تسألوا عن حكم في المذهب الحنفي ولم تجدوني فاسألوا الشيخ ابراهيم اليعقوبي في محراب المالكية بالجامع الأموي, وعلى الشيخ محمد أبي اليسر عابدين قرأ بعض رسائل ابن عابدين وقال: إن خليفتي في الفقه والأصول الشيخ إبراهيم اليعقوبي.

حفظ متوناً كثيرة زاد مجموعها على خمسة وعشرين ألف بيت منها: الألفية لابن مالك الجوهرة الوحيدة في التوحيد, البيقونية في المصطلح, الرحبية في الفرائض. وكان قد بدأ بالتدريس دون العشرين في جامع سنان باشا, ودرّس في معهد الفتح الإسلامي وغيره , شغل إمامة المالكية ثم الحنفية بالجامع الأموي, ودرّس وخطب مدة تزيد على خمسة وثلاثين عاما حجّ الفرض مرة واحدة سنة 1392هـ عن طريق البر, ولم يحج سواها.

وقد ترك عدداً كثيراً من الكتب والمؤلفات منها:العقيدة الإسلامية, الفرائد الحسان في عقائد أهل الإيمان وهما مطبوعان, النور الفائض في علم الميراث والفرائض, ومنظومة في آداب البحث والمناظرة. كما حقق مجموعة من المخطوطات منها: الحِكَم العطائية, هدية ابنالعماد في أحكام الصلاة, الأنوار في شمائل النبي المختار للبغوي, قواعد التصوف للشيخ أحمد زرّوق ومن مخطوطاته الكوكب الوضاء في عقيدة أهل السنة الغراء, معيار الأفكار وميزان العقول والأنظار في المنطق, التذكرة وهي ثبت في أسانيده وشيوخه وله ديوان شعر, بالإضافة إلى أبحاث نشرت في بعض الدوريات ولمحمد عبد اللطيف فرفور رسالة صفحات مشرقات وظلال وارفات من حياة العلامة الشيخ إبراهيم اليعقوبي

كان رحمه الله يجذب الناس إليه ويؤلّفهم نحوه, عليه تواضع العلماء وسَمْتهم, ليّن الحديث, ولا يميز نفسه عن الآخرين, يقبل عليهم بكلّيّته إذا زاروه ويمتّعهم بأحاديثه العذبة, ولا يملّ منهم, ولا يتململ من أسئلتهم التي يجيب عليها بوضوح وتفصيل جواب العالم المتقن الشافي. ومع هذا فهو يحبّ العزلة ويميل إليها, ويقول: لولا العلم وطلب العلم, لما قابلت من الناس أحداً. أحبّ الأوقات إليه ساعتان, ساعة درس يتلذّذ فيها بالعلم, وساعة نجوى يقضيها بذكر الله تعالى. كان شيوخه الذين درس عليهم يجلّونه ويحترمونه ويحبونه ويسألونه رأيه في بعض المعضلات التي تشكُل عليهم. كان صاحب الترجمة مصاباً بضيق الصّمّام التاجي نتيجة الإرهاق والتعب. ولما زاد مرضه بقي في داره متفرّغاً للتأليف والإفتاء.

وقبل وفاته بأيام ازداد مرضه فنُقِلَ إلى المستشفى وتوفي ليلة الجمعة في 26 ربيع الأول عام 1406هـ, في المستشفى حيث غسّله أبناؤه وصلى عليه ولده الأكبر العلامة سيدي محمّد أبو الهدى في الجامع الأموي, وشُيِّع في جنازة حافلة إلى مقبرة باب الصغير.

أقول أنا عبدالعزيز بن علال الحسني الدمشقي الجزائري قدألبسني شيخنا محمدأبو الهدى اليعقوبي عمامة والده في بيته بدمشق.